محمد بن جرير الطبري

16

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

أهل مكة تكلموا بالإسلام ، فخرجوا مع المشركين يوم بدر ، فلما رأوا قلة المسلمين قالوا : غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ . حدثني إسحاق بن شاهين ، قال : ثنا خالد ، عن داود ، عن عامر ، مثله . حدثني الحرث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا يحيى بن زكريا ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، في قوله : إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ قال : فئة من قريش : قيس بن الوليد بن المغيرة ، وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة ، والحرث بن زمعة بن الأسود بن المطلب ، وعلي بن أمية بن خلف ، والعاصي بن منبه بن الحجاج ؛ خرجوا مع قريش من مكة وهم على الارتياب فحبسهم ارتيابهم ، فلما رأوا قلة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : غر هؤلاء دينهم حتى قدموا على ما قدموا عليه مع قلة عددهم وكثرة عدوهم حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن الحسن : إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ قال : هم قوم لم يشهدوا القتال يوم بدر ، فسموا منافقين . قال معمر : وقال بعضهم : قوم كانوا أقروا بالإسلام وهم بمكة ، فخرجوا مع المشركين يوم بدر ، فلما رأوا قلة المسلمين قالوا : غر هؤلاء دينهم حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله : إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ إلى قوله : فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ قال : رأوا عصابة من المؤمنين تشددت لأمر الله . وذكر لنا أن أبا جهل عدو الله لما أشرف على محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، قال : والله لا يعبد الله بعد اليوم قسوة وعتوا . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، قال : قال ابن جريج في قوله : إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ قال : ناس كانوا من المنافقين بمكة ، قالوه يوم بدر ، وهم يومئذ ثلاث مائة وبضعة عشر رجلا . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، في قوله : إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ قال : لما دنا القوم بعضهم من بعض ، فقلل الله المسلمين في أعين المشركين ، وقلل المشركين في أعين المسلمين ، فقال المشركون : غر هؤلاء دينهم وإنما قالوا ذلك من قلتهم في أعينهم ، وظنوا أنهم سيهزمونهم لا يشكون في ذلك ، فقال الله : وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ . وأما قوله : وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فإن معناه : ومن يسلم أمره إلى الله ويثق به ويرض بقضائه ، فإن الله حافظه وناصره ؛ لأنه عزيز لا يغلبه شيء ولا يقهره أحد ، فجاره منيع ومن يتوكل عليه يكفه . وهذا أمر من الله جل ثناؤه المؤمنين به من أصحاب رسول الله وغيرهم أن يفوضوا أمرهم إليه ويسلموا لقضائه ، كيما يكفيهم أعداءهم ، ولا يستذلهم من ناوأهم ، لأنه عزيز غير مغلوب ، فجاره غير مقهور . حَكِيمٌ يقول : هو فيما يدبر من أمر خلقه ، حكيم لا يدخل تدبيره خلل . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ولو تعاين يا محمد حين يتوفى الملائكة أرواح الكفار فتنزعها من أجسادهم ، تضرب الوجوه منهم والأستاه ، ويقولون لهم : ذوقوا عذاب النار التي تحرقكم يوم ورودكم جهنم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ قال : يوم بدر . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا يحيى بن أسلم ، عن إسماعيل بن كثير ، عن مجاهد يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ